Hiç Bir Yorum yok

الاتحاد الإسلامي

الاتحاد الإسلامي

مقتطفات

من كليات رسائل النور – لبديع الزمان سعيد النورسي

 بسم الله الرحـمٰن الرحيم

الوحدة الاسلامية

تمهيد:

ان الوحدة الاسلامية قضية جليلة تهم جميع المسلمين، كل حسب درجته، إذ هي ليست مسألة سياسية وحدها، بل هي ايضاً تمسّ الاخوة الايمانية التي تربط المسلمين جميعاً بدراً من الرابطة والتعاون والتآزر بين مؤمن وآخر وانتهاءً بالعالم الاسلامي كله.

فضلاً عن هذا فان القوة العظيمة الحاصلة من هذه الوحدة والناشئة من الرباط والوثيق بين المؤمنين تصون الامة الاسلامية جمعاء من المخاطر والمهالك التي تردها من الخارج. بيد ان الذين عجزوا عن مقاومة القوة المادية والمعنوية النابعة من الوحدة سعوا بشتى الطرق والوسائل والمؤامرات والخطط لتفتيتها وبعثرتها.

لذا ينبغي الاّ ندخر جهداً، بل نبذل كل مافي وسعنا لما يأمرنا به ديننا العظيم من التساند والترابط والوقوف صفاً واحداً كالبنيان المرصوص امام مفاسد اولئك الاعداء المخربين.

وصدق الله العظيم الذي يقول: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾(الانفال:73).

هذا ولقد وضح الاسلام من القواعد والدساتير القيمة ما يوجب التعاون والتآزر، نذكر منها للمناسبة، فريضة الحج.

من حكم الحج:

وننقل اليكم ما اورده الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي ضمن حوار جرى له في رؤيا صادقة رآها اثناء سقوط الدولة العثمانية. اي عقب الحرب العالمية الاولى، يقول:

((ان اهمال الحكمة العظيمة الكامنة في فريضة الحج لا تجلب المصيبة العظمى وحدها، بل ينزل الغضب الالهي والقهر الرباني ايضاً. ولم يكن جزاء ذلك الاهمال ونزول تلك المصيبة تكفيراً للذنوب بل كان تكثيراً لها.

نعم، ان اهمال حكمة الحج ولاسيما التعارف بين المسلمين وتوحيد افكارهم واهمال ما يتضمنه الحج من سياسة اسلامية رفيعة ومصلحة اجتماعية واسعة تشمل التعاون والمشاركة في الاعمال والسعي الجاد.. اقول ان هذا الاهمال ادّى الى ان يهىء العدو وسطاً ملائماً لضرب المسلمين بعضهم ببعض.

فها هو الهند، قد قتل اباه ظناً منه انه العدو.. وهو واقف على رأس المقتول يصرخ ويولول…

وهذا التتار والقفقاس قد عاونوا على قتل والدتهم المسكينة.. وادركوا ذلم بعد ((ان قضى الامر)).. فهم يبكون وقوفاً على قدم الجنازة.

وهؤلاء العرب، قتلوا خطأً اخاهم البطل، ولا يدرون ما يفعلون..

وهذه افريقا.. قد قتلت شقيقتها دون علم منها، وهي الآن تدعو بالويل والثبور.

وهذا العالم الاسلامي قد عاون غافلاً دون علم منه على قتل إبنه الذي رفع راية الاسلام، فها هو الآن يصرخ ويستغيث كالام الرؤوم الفاقدة لوحيدها.

نعم ان ملايين المسلمين بدلاً من ان يشدّوا الرحال الى الحج هو الخير المحض، انساقوا في سياحة طويلة وسفر بعيد تحت لواء العدو وهو الشر المخض. فاعتبروا يا اولى الابصار(1)..

بمعنى ان حكمة عظيمة لفريضة الحج هي ((الشورى)) الجارية في نطاق واسع بين المسلمين عامة ولمرة واحدة في السنة حفاظاً على سلامة العالم الاسلامي واستقلاليته.

مسؤولية العرب والاتراك:

ان الذي تعهّد للقيام بهذه الوظيفة هم العقمانيون والعرب كما يعبر عن ذلك الاستاذ النورسي؛ اذ يثول:

((إن حجر الاساس في بناء امتنا وقوام روحها انها هو الاسلام، وان الخلافة العقمانية والجيش التركي من حيث كومهما حاملين لراية تلك الامة الاسلامية، فهما بمثابة الصَدَفة والقلعة للأمة، وان العرب والترك هما الاخوان الحقِيقيّان وسيظلان حارسين امينين لتلك القلعة المنيعة، والصَدَفة المتينة.

وهكذا فبفضل هذه الرابطة المقدسة التي تشد الامة الاسلامية بعضها ببعض يصبح المسلمون كافةً كعشيرة واحدة. فترتبط طوائف الاسلام برباط الاخوة الاسلامية كما برتبط افراد العشيرة الواحدة. ويمد بعضهم بعضاً معنويـّاً، واذا اقتضى الامر فمادياً، وكأن الطوائف الاسلامية تنتظم جميعها كحلقات سلسلة نورانية)).(2)

نعم ((ان قارة شاسعة عظيمة الجانب رديئة الطالع.. ودولة مشهورة عريقة المجد سيئة الحظ.. وامة عزيزة جليلة القدر بلا رائد، وصفتها الطبية: الاتحاد الاسلامي)).(3)

وفي مقالة نشرها بديع الزمان في سنة 1909 يقول:

((ان اوجب الفرائض في هذا الوقت هو الوحدة الاسلامية، وهدف هذه الوحدة وقصدها تحريك الرابطة النورانية التي تربط المعابد الاسلامية المنتشرة والمتشبعة، وايقاظ المرتبطين بها بهذا التحريك، ودغعهم الى طريق الرقي بأمر وجداني)).(4)

ويوضح بديع الزمان سعيد النورسي في خطبته التي القاها في المسجد الاموي سنة 1911م ما يأتي فيقول:

((يا اخواني المستمعين الى اقوالي في هذا الجامع الاموي.

ويا ايها الاخوان المسلمون في جامع العالم الاسلامي بعد اربعين او خمسين عاماً! لايتعذرنّ احدكم بالقول:”اننا لا نضرّ اجداً ولكننا لانستطيع ان ننفع اجداً أيضاً. فنحن معذورون اذاً.” فعذركم هذا مرفوض، اذ ان تكاسلكم وعدم مبالاتكم وتقاعسكم عن العمل لتحقيق الاتحاد الاسلامي والوحدة الحقيقية للأمة الاسلامية، انما هو ضرر بالغ وظلم فاضح)).(5)

((إن مصالح الطوائف الصغيرة وسعادتها الدنيوية والاخروية ترتبط بامثالكم من الطوائف الكبيرة العظيمة، والحكام والأساتذة من العرب والترك. فان تكاسلكم وتخاذلكم يضران باخوانكم من الطوائف الصغيرة من امثالنا ايما ضرر. وانني اوجه كلامي هذا بوجه خاص اليكم يامعشر العرب العظماء الأماجد، ويا من أخذتم من التيقظ حظاً او ستتيقظون تيقظاَ تاماً في المستقبل؛ لانكم اساتذتنا واساتذة جميع الطوائف الاسلامية وائمتها، فانتم مجاهدو الاسلام الأوائل، ثم جاءت الامة التركية العظيمة لتمدّ وظيفتكم المقدسة تلك ايّما امداد.

لذا فان ذنبكم عظيم بالتكاسل والتقاعس، كما ان حسناتكم جليلة وسامية أيضاً.

لاسيما نحن على امل عظيم برحمة الله انه بعد مرور اربعين او خمسين عاماً تتحدون فيما بينكم- كما اتحدت الجماهير الامريكية- وتتبوأون مكانتكم السامية وتوفّقون باذن الله الى انقاذ السيادة الاسلامية المأسورة وتقيمونها كالسابق في نصف الكرة الارضية بل في معظمها. فان لم تقم القيامة فجأة فسيري الجيل المقبل هذا الامل)).(6)

السبيل الى الامن والسلام:

هذا وقد ارسل بديع الزمان رسالة الى المؤولين تنبيهاً لهم ان الوحدة الاسلامية هي العلاج الوحيد تجاه الارهاب والفوضى، وذلك في عهد حكومة الحزب الديمقراطي.

فيقول:

((انه لا يصمد امام هذا الدمار الرهيب الاّ وحدة المسلمين المنبثقة من حقائق القرآن. فمثلما تكون هذه الوحدة وسيلة لانقاذ البشرية من بلاء الفوضى والارهاب فانها تنقذ هذه البلاد ايضاً من سيطرة الاجانب وتنجى الامة من مغبة الارهاب، بل لا منقذ لها الاّ هذه الوحدة)).(7)

وقد اوضح بديع  الزمان اهمية الوحدة الاسلامية ايضاً في رسالته التي بعثها الى طلابه مابعد سنة 1950 بمناسبة حلول العيد. فقال:

((اخوتي الاعزاء الصادقين!

نهنئكم من صميم ارواحنا واعماق قلوبنا بحلول العيد السعيد، ستدركون باذن الله يوماً عيداً يعم العالم الاسلامي كله. ان هناك امارات كثيرة تبين ان القرآن الحكيم الذي هومنبع جميع القوانين السامية للجماهير المتحدة الاسلامية، سيكون مهيمناً في المستقبل. وسيأتي ذلك اليوم قاطبة)).

((اننا نهنىء العالم الاسلامي باتخاذ دولها الاسلامية حديثاً القرآن الحكيم دستوراً لها، وقد بدأ تباشير الوحدة الاسلامية بظهور دول من آسيا وافريقيا تجعل اربعمائة مليوناً من المسلمين في اخوة متعاونة مادياً ومعنوياً)).

((نعم ان المعاملة الوحشية القاسية التي يزاولها اولئك الاجانب والمظالم التي يرتكبونها، قد مهدت العالم الاسلامي لينال حريته واستقلاله بلوغاً الى الوحدة الاسلامية. حتى انها ولّدت دولاً مستقلة.. اننا نسأل الله تعالى ان تتشكل الجماهير المتحدة الاسلامية ويصبح الاسلام مهيمناً على الارض كلها فنحن نلوذ برحمته تعالى ليتحقق هذا الامل)).(8)

وفي رسالة لبديع الزمان سعيد النورسي بعثها الى احد المسءولين في الدولة، ايام كان حزب الشعب الجمهوري هو الحاكم وذلك في سنة 1945 ارسل تلك الرسالة لينبه الى الخطر المحدق للامة التركية وللامة الاسلامية عامة، في عدم الحث على الحقائق القرآنية بل العكس ترويجهم لمبادي المدنية الاوروبية، مما سيءدي الى ان يدير العالم الاسلامي ظهره الى الامة التركية وينفر منها، فعليهم ان يحثوا الخطى في تطبيق حقائق القرآن، وإلاّ سيلحق الاخوة الاسلامية ضرر بالغ، فيقول:

((ان الامة التركية ومن معها من اخوة الدين قد حملوا راية الاسلام منذ ألف سنة حتى جعلت الامة الاسلامية قاطبة ممتنة لها، وصانت الوحدة الاسلامية، ونجت البشرية بالقرآن العظيم وحقائق الايمان من الكفر المطلق والضلال الرهيب.

فإن لم تتبنّوا هذه الحقائق القرآنية وظلتم كعهدكم السابق متنكبين الصواب، بالدعاية للحضارة الغربية، والعمل على اضعاف الروح الدينية، وان لم تقوموا بالحث على الحقائق القرآنية والايمانية مباشرة بدل قيامكم بالدعاية للمدنية الغربية فاني احذركم وانذركم قطعاً، وابين ذلك بحجج قاطعة:

ان العالم الاسلامي سينفر من هذه الامة بدلاً من ان يوليها المحبة بل سيصمر العداوة لأخيه البطل، الامة التركية، وستقهرون امام الفوضى والارهاب الذي يتستر تحت الكفر المطلق الذي يسعى لإبادة العالم الاسلامي، وستكون سبباً في تشتيت هذه الامة التركية التي هي قلعة العالم الاسلامي وجيشه البطل، وستمهدون لاستيلاء الغول الوحش، الشيوعية، لهذا البلاد.

نعم ان هذه الامة البطلة لاتصمد امام صدمات التيارين الرهيبين الآتيين من خارج الاّ بقوة القرآن.

فلا مناص لهذه الامة لصد الكفر المطلق والاستبداد المطلق واشاعة السفاهة واباحة اموال الناس، هذا التيار الجارف، الاّ الامة التي امتزجت روحها بحقائق الاسلام واصبحت جزءاً من كيانها، تلك الامة التي تعتزّ بالاسلام مجداً لماضيها.

وسيوقف هذا التيار باذن الله إنتهاض اهل الغيرة والحمية لهذه الامة ببث روح الحقائق القرآنية الموغلة في عروق هذه الامة وجعلها دستور حياتها بدلاً من نشر التربية المدنية الغربية.

اما التيار الثاني: فهو استمالة العدو ومستعمراته في العالم الاسلامي وربطها به برباط وثيق، وذلك بزعزعة ثقتهم بمكانة هذه البلاد ومنزلتها المركزية للعالم الاسلامي، بعد وصمها باللادينية والالحاد، والذي يفضي الى انفصام العلاقة المعنوية بينها وبين العالم الاسلامي، وقلب روح الاخوة التي يحملها العالم الاسلامي تجاه هذه الامة الى عداء… وغيرها من امثال هذه الخطط الرهيبة التي حازوا بها شيئاً من النجاح لحد الان.

ولكن لو استرشد هذا التيار وبدّل خطته الرهيبة هذه وعامل الدين بالحسنى داخل البلاد، هذا المركز، مثلما يلاطف الدين في العالم الاسلامي، فانه يغنم كثيراً ويكون ممن حافظ على انجازاته، وعندئذٍ تنجو الامة والبلاد من كارثة مدمرة.

فلو سعيتم انتم الذين تتولون مقام سكرتارية اهل الحمية والقومية للحفاظ على الاسس والمباديء التي تسحق المقدسات الدينية وتعم المدنية الغربية، واحلتم الحسنات الحاضرة وحسنات الانقلاب الى اجراءات قلة من الاشخاص الذين قاموا باسم الانقلاب واحلتم النقائص المريعة والسيئات الجسمية الى الامة، فعندئذٍ تعممون اذن ما ارتكبه اشخاص قلة من سيئات الى ملايين السيئات. فتخافون اذن آمال هذه الامة المتدينة البطلة وتجافون جيش الاسلام، وتعارضون اذن الامة جميعاً وتديرون ظهركم الى ملايين الابطال الميامين الذين نالوا شرف الشهادة، فتعذّبون ارواحهم الطيبة وتحطون من شأنهم وتهونون من شرفهم.

وكذا لو احيلت تلك الحسنات التي اُحرزت بهمة الامة وقوة الجيش الى اولئك القلة القليلة من الانقلابيين، فان ملايين الحسنات اذن تنحصر في بضع حسنات فقط وتتضاءل وتضمحل، فلا تكون كفّارة لأخطاء فاحشة…

… ثم ان المسلم يختلف عن الآخرين، اذ لو تخلى عن دينه فلا يكون الاّ ارهابياً، ولايقيّده قيد أياً كان، بل لايمكن ادارته الاّ بالاستبداد المطلق والرشوة العامة المطلقة)).(9)

من مهام رسائل النور:

((فنحن نسعى برسائل النور لدفع اعظم خطرين يحدقان بمستقبل هذه البلاد وقد قامت بها فعلاً بل اثبتنا ذلك في المحكمة وذلك: بوضع سد امام الارهاب المغير علينا من الخارج، دفعاً للخطر الاول.

وتحقيق اعظم نقطة استناد لهذه البلاد بتحويل نفور خمس وثلاثين مليوناً من المسلمين الى رابطة اخوة صادقة، دفعاً للخكر الثاني)).

((ان الاصابع التي تحارب رسائل النور من خلف الاستار هي الاصابع الاجنيبة التي تحاول تحطيم وكسر الود والمحبة والاخوة التي يكنها العالم الاسلامي الى هذه الامة في هذا الوطن. هذه المحبة والاخوة التي تعد اكبر قوة لهذه الامة، لذا فلكي يتم تحطيم هذه المحبة وهذه الاخوة وتبديلها وتغييرها الى بغض ونفور فان هناك اصابع تحاول استغلال السياسة وجعلها آلة ووسيلة لتشجيع الالحاد والكفر المطلق. وهي بذلك انما تقوم بعملية خداع للحكومة وقامت مرتين بعملية تضليل للعدالة عندما تقول لها: ((ان طلاب رسائل النور يقومون باستغلال الدين من اجل السياسة وان خناك احتمالاً ان يتضرر من ذلك أمن البلد)).

((ايها البؤساء!.. ان رسائل النور لاعلاقة لها بالسياسة بل تقوم بتحطيم الكفر المطلق (الذي اسفله الفوضى واعلاه  الاستبداد المطلق) وتفتيته وردّة على اعقابه)).(10)

نبذ الخلافات الداخلية:

ثم ان بديع الزمان سعيد النورسي يأسف أشد الاسف على بقاء الاختلاف في بعض اجزاء العالم الاسلامي رغم الدوافع التي تدفع المسلمين الى الوحدة ضمن شروط العالم الحاضرة. فيقول:

((مرض اجتماعي خطر وحالة اجتماعية مؤسفة اصابت الامة الاسلامية يدمي لها القلب:

ان اشد القبائل تأخراً يدركون معنى الخطر الداهم عليهم، فتراهم ينبذون الخلافات الداخلية، وينسون العداوات الجانبية عند اغارة العدو الخارجي عليهم.

واذ تقدّر تلك القبائل المتأخرة مصلحتهم الاجتماعية حق قدرها، فما للذين يتولون خدمة الاسلام ويدعون اليه لا ينسون عداوتهم الجزئية الطفيفة فيمدون بها سبل اغارة الاعداء الذين لايحصرهم العد عليهم؟! فلقد تراصف الاعداء حولهم واطبقوا عليهم من كل مكان.. ان هذا الوضع تدهور مخيف، وانطاط مفجع، وخيانة بحق الاسلام والمسلمين.(11)

نحو العالم الاسلامي بدلاً عن الغرب:

ويوصي بديع الزمان في رسالة موجهة الى رجال الدولة، بما ينبغي عليهم من التوجه الى الوحدة الاسلامية بدلاً من التوجه الى الغرب، فيقول:

((مادامت تعطي رشاوي من التنازلات المعنوية لاجل اقرار السياسة الاجنبية الاجنبية مقابل مايقدمونه من مساعدات تافهة موقتة، بسبب مانعانيه من الضعف الناشيء من الاختلاف، حتى غدت تهيمن الامبالاة باخوة اربعمائة مليوناً من المسلمين وعدم الاكتراث بمسلك مليار من الاسلاف العظام، بل رأوا انفسهم مضطرين لدفع مبالغ ضخمة كمرتبات للموظفين لاجل عدم الاضرار بادارة الدولة ونظام البلاد من دون مراعاة لما يعانيه الناس من فقر مدقع.

ان مايعطيه ارباب السياسة الحاليين في هذه البلاد من رشاوي الى الغرب والى الاجانب ومن تنازلات سياسية ومعنوية، عليهم ان يعطوا عشرة امثالها بل ينبغي لهم ان يدفعوها لاجل اقرار اخوة اربعمائة مليوناً من المسلمين والتي ستتشكل بما يشبه بجماهير متحدة اسلامية. وذلك لاجل سلامة هذه البلاد والحفاظ على كيان هذه الامة، وسوف يكون ذلك هدية ضرورية وأتاوة لاضرر فيها.

فتلك الرشوة الواجبة، الجائزة النافعة جداً بل الضرورية المقبولة هي اتخاذ الدساتير المقدسة منهجاً للعمل، تلك الدساتير التي هي اساس التعاون الاسلامي وهي هدايا سماوية من القرآن الكريم توثق الرابطة بين المسلمين بل هي قانونهم المقدس الاساس وهي:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾

﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

﴿وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾(12)

القومية الايجابية والسلبية:

ولاجل تحقق الوحدة الاسلامية فهناك شروط منها:

اتخاذ القومية الاسلامية ونبذ العنصرية المولدة للفرقة والاختلاف. ومما يؤيد هذا انظرتالاستاذ بديع الزمان في هذا الصدد، ندرجها ادناه:

((قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾(الحجرات:13).

اي: خلقناكم طوائف وقبائل وامماً وشعوباً كي يعرف بعضكم بعضاً وتتعرفوا على علاقاتكم الاجتماعية،  لتتعارفوا فيما بينكم، ولم نجعلكم قبائل وطوائف لتتناكروا فتتخاصموا.

نقول بياناً لدستور التعارف والتعاون الذي تشير اليه هذه الآية الكريمة انه:

يقسّم الجيش الى فيالق والى فرق والى ألوية والى أفواج والى سرايا والى فصائل والى حظائر، وذلك ليعرف كل جندي واجباته حسب تلك العلاقات المختلفة المتعددة، وليؤدي افراد ذلك الجيش تحت دستور التعاون وظيفة حقيقية عامة لتصان حياتهم الاجتماعية من هجوم الاعداء. والاّ فليس هذا التقسيم والتمييز الى تلك الاصناف، لجعل المنافسة بين فوجين او اثارة الخصام بين سريتين او وضع التضاد بين فرقتين.

وكذلك الامر في المجتمع الاسلامي الشبيه بالجيش العظيم، فقد قُسّم الى قبائل وطوائف، مع ان لهم ألف جهة وجهة من جهات الوحدة؛ اذ خالقهم واحد، ورزاقهم واحد، ورسولهم واحد، وقبلتهم واحد، وكتابهم واحد، ووطنهم واحد.. وهكذا واحد، واحد.. الى الألوف من جهات الوحدة التي تقتضي الاخوة والمحبة والوحدة. بمعنى ان الانقسام الى طوائف وقبائل –كما تعلنه الآية الكريمة- ماهو الاّ للتعارف والتعاون لا للتناكر والتخاصم.

لقد انتشر الفكر القومي وترسّخ في هذا العصر. ويثير ظالمو اوروبا الماكرون بخاصة هذا الفكر بشكله السلبي في اوساط المسلمين بيمزقوهم ويسهل لهم ابتلاعهم. ولما كان في الفكر القومي ذوق للنفس، ولذة تُغفل، وقوة مسؤومة، فلا يقال للمشتغلين بالحياة الاجتماعية في هذا الوقت: دعوا القومية! ولكن القومية نفسها على قسمين:

قسم منها سلبي مشؤوم مضر، يتربى وينمو بابتلاع الآخرين ويدوم بعداوة من سواه، ويتصرف بحذر. وهذا يولد المخاصمة والنزاع. ولهذا ورد في الحديث الشريف (أن الاسلام يجبّ ماقبله)(13) ويرفض العصبية الجاهلية. وامر القرآن الكريم بـ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾(الفتح:26) فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف يرفضان رفضاً قاطعاً القومية السلبية وفكر العنصرية. لان الغيرة الاسلامية الايجابية المقدسة لاتدع حاجة اليها.

تُرى أيّ عنصر في العالم تعداده ثلاثمائة وخمسون مليوناً ويُكسب فكر المرء –بدل الاسلام- هذا العدد من الاخوان، بل اخواناً خالدين؟

ولقد ظهرت طوال التاريخ أضرار كثيرة نجمت عن القومية السلبية.

اضرار العنصرية:

منها: ان الامويين خلطوا شيئاً من القومية في سياساتهم، فأسخطوا العالم الاسلامي فضلاً عما ابتلوا ببلايا كثيرة من جراء الفتن الداخلية.

وكذلك شعوب اوروبا، لما دعوا الى العنصرية واوغلوا فيها في هذا العصر نجم العداء التاريخي المليء بالحوادث المريعة بين الفرنسيين والالمان كما أظهر الدمار الرهيب الذي احدثته الحرب العالمية، مبلغ الضرر الذي يلحقه هذا الفكر السلبي للبشرية.

وكذلك الحال فينا؛ ففي بداية عهد الحرية (اي اعلان الدستور) تشكلت جمعيات مختلفة للاجئين وفي المقدمة الروم والارمن، تحت اسماء أندية كثيرة، وسببت تفرقة القلوب – كما تشتت الاقوام بانهدام برج بابل، وتفرقوا ايدي سبأ في التاريخ – حتى كان منهم من اصبح لقمة سائغة للاجانب، ومنهم من تردى وضل ضلالاً بعيداً. كل ذلك يبين نتائج القومية السلبية وأضرارها.

اما الآن فان  التباغض والتنافر بين عناصر الاسلام وقبائله –بسبب من الفكر القومي- هلاك عظيم، وخطب جسيم، اذ ان تلك العناصر أحوج ما يكون بعضهم لبعض، لكقرة ما وقع عليهم من ظلم وإجحاف ولشدة الفقر الذي  نزل بهم ولسيطرة الاجانب عليهم، كل ذلك يسحقهم سحقاً؛ لذا فان نظر هؤلاء بعضهم لبعض نظرة العداء مصيبة كبرى لاتوصف، بل انه جنون اشبه ما يكون بجنون من يهتم بلسع البعوض ولايعبأ بالثعابين الماردة التي تحوم حوله.

نعم، ان أطماع اوروبا التي لاتفتر ولاتشبع هي كالثعابين الضخمة الفاتحة افواهها للابتلاع. لذا فان عدم الاهتمام بهؤلاء الاوروبيين، بل معاونتهم معنى بالفكر العنصري السلبي، وانماء روح العداء ازاء المواطنين القانطين في الولايات الشرقية واخواننا في الدين في الجنوب، هلاك وأيّ هلاك وضرر وبيل.

اذ ليس بين افراد الجنوب من يستحق ان يُعادي حقاً، بل ما أتى من الجنوب الاّ نور القرآن وضياء الاسلام، الذي شعّ نوره فينا وفي كل مكان.

فالعداء لاولئك الاخوان في الدين، وبدوره العداء للاسلام، انما يمس القرآن، وهو عداء لجميع اولئك المواطنين، ولحياتيهم، الدنيوية والاخروية.

لذا فادعاء الغيرة القومية بنية خدمة المجتمع يهدم حجر الزاوية للحياتين معاً فهي حماقة كبرى وليست حمية وغيرة قطعاً)).(14)

((نبين فائدتين –على سبيل المثال- من مئات الفوائد التي تكسبها الحمية الاسلامية المقدسة للحياة الاجتماعية لابناء هذا الوطن.

الفائدة الاولى:

ان الذي حافظ على حياة الدولة الاسلامية وكيانها –رغم ان تعدادها عشرون او ثلاثون مليوناً- تجاه جميع دول اوروبا العظيمة، هو هذا المفهوم النابع من القرآن الذي يحمله جيشها: ((اذا متُّ فانا شهيد وان قتلتُ فانا مجاهد)). هذا المفهوم دفع ابناء هذا الوطن الى استقبال الموت باسمين مما هزّ قلوب الاوروبيين وارهبهم.

تُرى اي شيء يمكن ان يبرز غي الميدان ويبعث في روح الجنود مثل هذه التضحية والفداء وهم ذوو أفكار بسيطة وقلوب صافية؟.

اية عنصرية يمكن ان تحمل هذا المفهوم العلوي؟ واي فكر غيره يمكن ان يجعل المؤ يضحي بحياته وبدنياه كلها طوعاً في سبيله؟.

ثانياً:

ما آذت الدول الاوربية الكبرى وثعابينها المردة؛ هذه الدولة الاسلامية وتوالت عليها بضرباتها، الاّ وابكت ثلاثمائة وخمسين مليوناً من المسلمين في انحاء العالم،وجعلتهم يئنون لأذاها، حتى سحبت تلك الدول الاستعمارية يدها عن الاذى والتعدي لتحول دون اثارة عواطف المسلمين عامة، فتخلت عن الاذى.

فهل تُستصغر هذه القوة الظهيرة المعنوية والدائمة لهذه الدولة، وهل يمكن انكارها؟

تُرى اية قوة اخرى يمكن أن تحلّ محلها؟ فهذا ميدان التحدي فليُظهروا تلك القوة؟ لذا ينبغي الاّ نجعل بقومية سلبية وحمية مستغنية عن الدين.

((اننا لانيأس من روح الله قطعاً، فلقد سخّر ابناء هذا الوطن وجماعاته المعظمة وجيشه المهيب منذ ألف سنة في خدمة القرآن وجعلهم راقعي رايته. لذا فأملنا عظيم في رحمته تعالى الاّ يهلكهم بعوارض موقتة ان شاء الله، وسيمد سبحانه ذلك النور ويجعله اسطع وابهر اشراقاً فيديم وظيفتهم المقدسة.))(15)

اهمية الشورى:

والشرط الثاني لتحقيق الوحدة الاسلامية هو ((الشورى)) اذ الشورى المبنية على اجتماع العلماء الصادقين والمرشدين الكاملين في العالم الاسلامي والمرتكزة على اساس سليمة هي في الحقيقة مرجع شرعي لجميع المسلمين ونوع من الجماع الامة الاسلامية.

فالدولة الاسلامية تترابط بالقوانين المقدسة القرآنية وتتشكل كولايات متحدة اسلامية كما يعبر عنها بديع الزمان سعيد النورسي.

ولقد بين بديع الزمان اهمية الشورى وضرورتها الى رجال الدولة ووضح لهم ماينبغي ان تكون عليه الشورى للمشيخة الاسلامية للدولة العثمانية، فقال:

((لقد طالبت بهذه الفكر اعضاء “تركيا الفتاة” ابان اعلان الدستور، فلم يوافقوا عليها، وبعد مضي اثنتا عشرة سنة طالبتهم بها ايضاً فقبلوها ولكن المجلس النيابي قد حل.

والان اعرضها مرة اخرى على نقطة تمرطز العالم الاسلامي.

قال تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ(الشورى:38)

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ(آل عمران:159)

يرينا التاريخ انه: متى ما كان المسلمون متمسكين بدينهم فقد ترقوا بقدر تمسكهم بدينهم، بينما تدنوا كلما بدأ ضعف الدين يدب فيهم. بخلاف ما يحدث لاصحاب الاديان الاخرى؛ اذ متى ماتمسكوا بدينهم فقد اصبحوا كالوحوش الكاسرة ومتى ماضعف لديهم الدين ترقوا قي مضمار الحضارة.

ان ظهور جمهور الانبياء في الشرق رمزٌ من القدر الإلهي: ان المهيمن على شعور الشرقيين هو الدين، فما نراه في الوقت الحاضر من مظاهر اليقظة في انحاء العالم الاسلامي تثبت لنا: ان الذي ينبه العالم السلامي وينقذه من الذل والهوان هو الشعور الديني ليس الاّ.

وقد ثبت ايضاً ان الذي حافظ على هذه الدولة المسلمة (العثمانية) هو ذلك الشعور رفم جميع الثورات والمصادمات الدامية التي نشبت في ارجائها.. فنحن نتميز بهذه الخاصية عن الغرب، ولانقاس معهم.

ان السلطة والخلافة متحدتان بالذات  ومتلازمتان لاتنفكان وان كانت وجهة كل منهما مغايرة للاخرى.. وبناء على هذا فسلطاننا هو سلطان وهو خليفة في الوقت نفسه يمثل رمز العالم الاسلامي. فمن حيث السلطنة يشرف على ثلاثين مليوناً، ومن حيث الخلافة ينبغي ان يكون ركيزة ثلاثمائة مليون من المسلمين الذين تربطهم رابطة نورانية، وان يكون موضع امدادهم وعونهم.

فالوزارة تمثل السلطنة، اما المشيخة (الاسلامية) فهي تمثل الخلافة. فبينا نرى الوزارة تستند اصلاً على ثلاثة مجالس شورى –وقد لاتوفي هذه المجالس حاجاتها الكثيرة- نجد ان المشيخة قد اودعت الى اجتهاد شخص واحد، في وقت تعقدت العلاقات وتشابكت حتى في ادق الامور، فضلا عن الفوضى الرهيبة في الآراء الاجتهادية، وعلاوة على تشتت الافكار وتدني الاخلاق المريع الناشيء من تسرب المدنية الزائفة فينا.

من المعلوم: ان مقاومة الفرد تكون ضعيفة امام المؤثرات الخارجية، فلقد  ضُحي بكثير من احكام الدين مسايرة للمؤثرات الخارجية.

ثم كيف يكون الامر يا ترى: انه بينما كانت الامور بسيطة والتسليم للعلماء وتقليدهم جارٍ كانت المشيخة مودعة الى مجلس شورى –ولو بصورة غير منتظمة- ويتركب من شخصيات مرموقة، والان وقد تعقدت الامور ولم تعد بسيطة وارتخى عنان تقليد العلماء واتباعهم.. اقول كيف يا ترى يكون بمقدور شخص واحد القيام بكل الاعباء؟

ولقد اظهر الزمان ان هذه المشيخة الاسلامية –التي تمثل الخلافة- ليست خاصة لاهل استانبول او للدولة العقمانية، وانما هي مؤسسة جليلة تعود للمسلمين عامة. فوضعها الحالي المنطفىء لايؤهلها للقيام باعباء ارشاد استانبول وحدها ناهيك عن ارشاد العالم الاسلامي!

لذا ينبغي ان تؤول هذه المشيخة الى درجة ومنزلة تتمكن بها كسب ثقة العالم الاسلامي فتكون كالمرآة العاكسة لمشاكل المسلمين. وتغدو منبعاً ثراً للاجتهادات والافكار. وعندها تكون قد ادت مهمتها حق الاداء تجاه العالم الاسلامي.

نحن لسنا في الزمان الغابر، حيث كان الحاكم شخصا واحدا، ومفتيه ربما شخص واحد ايضاً، يصحح رأيه ويصوبه. فالزمان الآن زمان الجماعة والحاكم شخص معنوي ينبثق من روح الجماعة. فمجالس الشورى تملك تلك الشخصية، فالذي يفتي لمثل هذا الحاكم ينبغي ان يكون متجانساً معه، اي ينبغي ان يكون شخصاً معنويا نابعا من مجلس شورى عالٍ، كي يتمكن من ان يُسمع صوته للآخرين، ويسوق ذلك الحاكم الى الصراط السوي في امور الدين.

والا فسيبقى صوته كطنين الذباب امام الشخص المعنوي الناشيء من الجماعة، حتى لو كان فراً فذاً عظيما. فهذا الموقع الحساس يعرض قوة المسلمين الحيوية الى الخطر مادام باقياً على وضعه المنكفىء هذا، حتى يصح لنا ان نقول:

ان الضعف الذي نراه في الدين، والاهمال الذي نشاهده في الشعائر الاسلامية، والفوضى التي ضربت اطنابها في الاجتهادات قد تفشت نتيجة ضعف المشيخة وانطفاء نورها، حيث ان الشخص الموجود خارج المشيخة يمكنه ان يحتفظ برأيه ازاء المشيخة المستندة الى شخص واحد. بينما كلام شيخ الاسلام المستند الى مجلس شورى المسلمين يجعل اكبر داهية يتخلى عن رأيه او يحصر اجتهاده في نفسه في الاقل.

نعم، ان كل من يجد في نفسه كفاءة واستعدادا للاجتهاد يمكنه ان يجتهد، ولكن لا يكون هذا الاجتهاد موضع عمل الا عندما يقترن بتصديق نوع من اجماع الجمهور. فمثل هذا الشيخ –اي شيخ الاسلام المستند الى مجلس شورى- يكون قد فال هذا السر. فكما نرى في كتب الشريعة ان مدار الفتوى: الاجماع، ورأي الجمهور، يلزم الآن ذلك ايضاً فيصلاً قاطعاً لدابر الفوضى الناشبة في الآراء.

ان الوزارة والمشيخة جناحا هذه الدولة المسلمة، فان لم يكونا جناحين متساويين متكافئين فلا يدوم لها المضي، وان مضت المشيخة على وضعها الحاضر فسوف تنسلخ عن كثير من المقدسات الدينية امام اجتياح المدنية الفاسدة.

الحاجة استاذ لكل امر. هذه قاعدة، فالحاجة شديدة لمثل هذا المجلس الشورى الشرعي، فان لم يؤسس في مركز الخلافة فسيؤنس بالضرورة في مكان آخر.

وعلى الرغم من ان القيام ببعض المقدسات يناسب ان يسبق تأسيس هذا المجلس –كمؤسسة الجماعات الاسلامية والحاق الاوقاف بالمشيخة وامثالها من الامور– فان الشروع بتأسيس المجلس مباشرة ثم تهيئة المقدمات له يحقق الغرض ايضاً. فالدوائر الانتخابية –للاعيان والنواب- رغم محدوديتها واختلاط وظائفها قد تكون لها تأثير بالواسطة، رغم ان الوضع يستوجب تأسيس مجلس شورى اسلامي خالص كي يتمكن كفالة المهمة السامية.ان استخدام اي شيء في غير موضعه يكون مآله التعطل، ولايبين اثره المرجو منه. فدار الحكمة الاسلامية التي انشئت لغاية عظيمة، اذا خرجت من طورها الحالي واشركت في الشورى مع رؤساء الدوائر الاخرى في المشيخة وعُدّت من اعضائه، واستدعى له نحوا من عشرين من العلماء الاجلاء الموثوقين من انحاء العالم الاسلامي كافة، عندها يمكن ان يكون هناك اساس لهذه المسألة الجسمية)).(16)

ان تحقق الشورى الاسلامي العام يستند الى وجود الخلافة الاسلامية المعتمدة على وحدة المسلمين. ولما كانت الخلافة قائمة عندما اقترح بديع الزمان سعيد النورسي اقتراحه هذا، فان الحاجة كانت متوجهة الى توسيع الشورى وقتئذٍ لسعة العالم الاسلامي. اما الآن فلا يتحقق الاّ في بناء الوحدة الاسلامية التي تظهر على شكل الجماهير المتحدة الاسلامية. وحول ضرورة الشورى يقول بديع الزمان سعيد النورسي:

((ان مفتاح سعادة المسلمين في حياتهم الاجتماعية انما هو “الشورى” فالآية الكريمة تأمرنا باتخاذ الشورى في جميع امورنا، اذ يقول سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.

اجل فكما أن تلاحق الافكار بين ابناء الجنس البشري انما هو شورى على مر العصور بوساطة التاريخ، حتى غدا مدار رقي البشرية واساس علومها، فان سببا لتخلف القارة الكبرى التي هي آسيا عن ركب الحضارة انما هو عدم قيامها بتلك الشورى الحقيقية.

ان مفتاح قارة آسيا وكشف مستقبلها انما هو الشورى، أي: كما ان الافراد يتشاورون فيما بينهم، كذلك ينبغي ان تسلك الطوائف والاقاليم المسلك نفسه فتتشاور فيما بينها. ان فك انواع القيود التي كبّلت ثلاثمائة بل اربعمائة مليون مسلم، ورقع انواع الاستبداد عنهم انما يكون بالشورى والحرية الشرعيى النابعة من الشهامة الاسلامية والشفقة الايمانية، تلك الحرية الشرعية التي تتزين بالاداب الشرعيى وتنبذ سيئات المدنية الغربية.

ان الحرية الشرعيى النابعة من الايمان انما تأمر باساسين:

ان لا يُذَلَّل (المسلمُ) ولايَاَذلَّل.. من كان عبداً لله لا يكون عبداً للعباد.

ان لا يجعل بعضكُم بعضاً ارباباً من دون الله. اذ من لا يعرف الله حق معرفته يتوهم نوعاً من الربوبية لكل شيء، كل حسب نسبته فيسلّطه على نفسه.

نعم ان الحرية الشرعيى عطية الرحمن وتجلٍ من تجليات الخالق الرحمن الرحيم، وهي خاصّة من خصائص الايمان)).(17)

واذا ثيل:

لِمَ تهتم بالشورى الى هذا الحد، وكيف يمكن أن تتقدم البشرية عامة وآسيا والاسلام بوجه خاص بتلك الشورى؟

فالجواب:

فكما اوضحت رسالة ((الاخلاص)) وهي اللمعة الحادية والعشرون: ان الشورى الحق تولّد الاخلاص والتساند، اذ إن ثلاث ألفات هكذا (ااا) تصبح مائة واحد عشرة، فانه بالاخلاص والتساند الحقيقي يستطيع ثلاثة اشخاص ان يفيدوا امتهم فائدة مائة شخص. ويخبرنا التاريخ بحوادث كثيرة أن عشرة رجال يمكنهم أن يقوموا بما يقوم به ألف شخص بالاخلاص والتساند الحقيقي والشورى فيما بينهم.

فما دامت احتياجات البشر لاحد لها واعداؤه دون حصر، وقوته ورأس ماله جزئيان محدودان جداً. ولاسيما بعد ازدياد المخّربين والمتوحشين نتيجة تفشّي الالحاد..فلابد أن يكون أمام اولئك الاعداء غير المحدودين والحاجات التي لاتحصر نقطة استناد تنبع من الايمان، فكما تستند حياته الشخصية الى تلك النقطة فان حياته الاجتماعية ايضاً انما تستطيع ان تدوم وتقاوم بالشورى الشرعية النابعة من حقائق الايمان، فتقف اولئك الاعداء الشرسين عند حدّهم وتلبي تلك الاحتياجات.))(18)

وعندما احتل الانكليز العاصمة استانبول، اشاعوا ان الخلافة منسجمة مع سياستهم. الاّ ان بديع الزمان سعيد النورسي تصدى لهذه الاشاعة وبين الاسس التي تنبني عليها الخلافة، فقال:

((ان ميل الشخص نفسه وامره الخاص وفكره الذاتي، مغاير تماماً للميل الحاصل من الشخصية المعنوية لأمر أمين الامة المتقلد امانة “الامامة والخلافة” فهذه الارادة تنبثق من “عقل” وتستند الى “قوة” وتتوجه الى “مصلحة” العالم الاسلامي.

أما عقله فهو شورى الأمة، وليس شبهتك ووسوستك! وقوته هو جيشه المسلح وامته الحرة، وليس سلاحك وحرابك. والمصلحة انما تتوجه من المحيط الاسلامي الى المركز، فترجح الفائدة العظمى للاسلام والمسلمين على المصالح الشخصية. والا لو انعكس الامر ورجحت –عند التعارض- مصلحة القربى على المصلحة العظمى، كترجيح سرير السلطنة على استانبول وهي على الاناضول وهو على الدولة وضُحي بالعالم الاسلامي لأجل الدولة فهذا الترجح لايطاع. وهو امر غير وارد اصلا. فالسلطان المتدين، وحيد الدين لو اصبح أفجر انسان، فلا يمكنه ان يقوم بهذا الأمر بارادته لسبب واحد هو أنه يحمل اسم الخليفة، فان قام به فلا يقوم الا مكرهاً. فطاعته عند ذاك بترك طاعته.))(19)

الاتفاق بين الجماعات الاسلامية:

والشرط الثالث لتحقق الوحدة الاسلامية هو اتخاذ الجماعات الاسلامية في العالم الاسلامي الضرورات الدينية اساساً لمنهجهم وعدم جعل المسائل الفرعية والمسلكية موضع خلاف ونزاع.

يوضح بديع الزمان سعيد النورسي هذا الامر ويؤكد عليه اثناء اجابته لسؤال وارد، فيقول:

((سؤال: كيف السبيل الى وضع حدّ للاختلافات الموجوده في العالم الاسلامي؟

الجواب: اولاً النظر الى المقاصد العالية المتفقة عليها، لان: ربنا واحد ورسولنا واحد، وقرآننا واحد… فنحن متفقون في الضروريات الدينية.

اما التفاوت والاختلافات في الفرعيات او نوع التلقي او كيفية الفهم الذي هو غير الضروريات الدينية فلا يزعزع هذه الوحدة والاتحاد. بل حتى لا يرجح عليها.

فاذا ما اتخذت القاعدة الاساسية “الحب في الله” دستوراً، واصبح عشق الحقيقة حاكماً في اعمالنا –والذي يساعده الزمان- فان الاختلافات يمكن ان تساق الى مجرى صائب)).(20)

((ان كان الاتفاق في الحق اختلافاً في الاحق، يكون الحق احياناً احق من الاحق، والحسن احسن من الاحسن. ولكن لا يحق له القول: ((هو الحث هو الحسن)).(21)

((عندما تعلم انك على حق في سلوكك وافكارك يجوز لك ان تقول: ((ان مسلكي حق او هو افضل)) ولكن لا يجوز لك ان تقول: ((ان الحق هو مسلكي انا فحسب)). لان نظرك الساخط وفكرك الكليل لن يكونا محكاً ولا حكماً يقضي على بطلان المسالك الاخرى، وقديماً فال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة

ولكن عين السخط تبدي المساويا(22)

((سؤال: ان تشكيل جمعية أتحاد الاسلام انما هي لشق الصف بين سائر الجمعيات الاسلامية وتولِّد الحسد والنفرة بينها.

الجواب:

اولاً: ان الامور الاخروية لا حسد فيها ولاتنافر وتزاحم فايما جمعية حسدت وزاحمت الاتحاد فكأنما تنافق في العبادة وترائي فيها.

ثانياً: اننا نتحد مع الجماعات المتشكّلة بدافع محبة الدين وخدمته ةذلك على وفق شرطين اثنين:

الشرط الاول: المحافظة على النظام العام للبلاد والحرية الشرعية.

الشرط الثاني: انتهاج نهج المحبة، وعدم محاولة اظهار مزايا بانتقاص الجمعيات الاخرى، بل الاولى مراجعة مفتي الامة وجماعة العلماء فيما اذا ظهر خطأ.

ثالثاً: ان الجماعة التي تهدف الى اعلاء كلمة الله لن تكون وسيلة لأي غرض مهما كان، واذا تشبثت بالاغراض فلا يحالفها التوفيق قطعاً لأنه نفاق، فشأن الحق عالٍ وسامٍ لايضحي به من اجل أي شيء كان. كيف تكون نجوم الثريا مكانس، أو كيف تؤكل كعناقيد عنبٍ؟ ان الذي يريد ان يطفيء شمس الحقيقة بالنفخ انما يدلّ على بلاهته وجنونه.

أيتها الصحف الدينية!

ان قصدنا وهدفنا هو اتحاد الجماعات الدينية في الهدف. اذ كما لا يمكن الاتحاد في المسالك والمشارب فلا سبيل اليه، لأن التقليد يشق طريقه ويؤدي الى القول: ((مالي وما عليّ فليفكر غيري)).(23)

((سؤال: ما رأيك في الاختلافات الرهيبة بين علماء العالم الاسلامي؟ وماذا تقول فيها؟

الجواب: ان العالم الاسلامي في نظري كمجلس النواب (البرلمان) غير المنتظم أو كمجلس الشورى اختل نظامة، ومانسمعه في الفقه بأن: ((هذا هو رأي الجمهور، وعليه الفتوى)) انما هو نظير رأي الأكثرية في ذلك المجلس، وما عدا رأي الجمهور من الأقوال ان لم تكن خاليه من الحقيقة والجوهر واللب، تفوّض الى رأي صاحب القابليات والمواهب والاستعدادات ليبنخب كلُّ استعدادٍ وموهبة مايباسب تربيته ويسنجم معها. وهاهنا نقطتان مهمتان.

الأولى: ان “القول” الذي أُنتخب بميل هذا الاستعداد، والذي يتضمن الحقيقة –الى حدّ ما- وظلَّ في الأقلية، مقيّد في نفس الأمر، ومخصَّصٍ بالاتعداد الذي انتخبه، الاّ أن صاحبه اهمله فتركَهُ مطلقاًـ والتزمه متبعوه فجعلوهُ عاماً، وتعصّب له مقلّدوه وسعوا في هدم المخالفين له حفاظاً عليه.. من هذه النقطة تنشأ المصارمة والمشاجرة والجرح والردّ حتى تشكل من الغبار المثار من تحت أرجلهم ومن الابخرة المتصاعدة من أفواهمه ومن البروق المنطلقة من ألسنتهم –سحاباً ذا بروق وذا رحمة أحياناً –فولّد حجاباً أمام شمس الاسلام الساطعة، ولكن ذلك السحاب المبشّر بالرحمة والواهب للاستعداد والقابلية من فيض نور الشمس، مثلما لم يُنزل الغيث.. فقد حجب النور أيضاً…

الثاني: ان القول الذي ظل في الأقلية، إن لم يغلبْ مافيه مِنِ الحقيقة والجوهر على ماقي الاستعدادات المنتخبة له، من هوسٍ وهوى أو تدين موروث ومزاج، فانه – أي ذلك القول- يبقى على خطر عظيم، لإنه بدلاً من أن ينصبغ الاستعداد به وينقلب الى مايقتضيه، يصرفه لنفسه ويلقحه ويسخّره لأمره.

وها هنا يتحول الهُدى الى الهوى، ويتشرب المذهب من المزاج. ان النحل يشرب الماء فيقطّر عسلاً، بينما الحية تشربه وتنفث سـمّاً)).(24)

((سؤال: ياترى، ألا يجد هذا المجلس الاسلامي العالي على سطح الارض انتظاماً وتنسيقاً لأعماله مرة أخرى؟.

الجواب: أعتقد بأن العالم الاسلامي قاطبة سيصير بمثابة مجلس نواب (برلمان) مقدّس في الملّة الانسانية وبين بني آدم، وسيشكل وينظم السلف والخلف فيما بينهم مجلساً للشورى مولياً كلِّ منهم وجهَة الآخَر على مدى العصور الاّ أن القسم الأول وهم الآباء الشيوخ، سينصتون بهدوؤ وثناء.

اذا قيل:

لقد ورد في حديث شريف: ((اِخْتِلافُ اُمَّتي رَحْمَةٌ))(25) والاختلاف يقتضي التفرق والتخرب والاعتداد بالرأي.

ولكن داء التفرق والاختلاف هذا فيه وجه من الرحمة لضعفاء الناس من العوام، اذ ينقذهم من تسلط الخواص الظلمة الذين اذا حصل بينهم اتفاق في قرية او قصبة اضطهد هؤلاء الضعفاء ولكن اذا كانت ثمة تفرقة بينهم فسيجد المظلوم ملجأ في جهة، فينقذ نفسه.

ثم ان الحقيقة تتظاهر جلية من تصادم الافكار ومناقشة الاراء وتخالف العقول:

الجواب: نقول اجابة عن السؤال الاول:

ان الاختلاف الوارد في الحديث هو الاختلاف الايجابي البنّاء المثبت. ومعناه: ان يسعي كل واحد لترويج مسلكه واظهار صحة وجهته وصواب نظرته، دون أن يحاول هدم مسالك الاخرين او الطعن في وجهة نظرهم وابطال مسلكهم، بل يكون سعيه لإكمال النقص ورأب الصدع والاصلاح ما استطاع اليه سبيلاً. اما الاختلاف السلبي فهو محاولة كل واحد تخريب مسلك الاخرين وهدمه، ومبعثه الحقد والضغينة والعداوة، وهذا النوع من الاختلاف مردود اصلاً في نظر الحديث، حيث المتنازعون والمختلفون يعجزون عن القيام بأي عمل ايجابي بناء.

وجواباً عن السؤال الثاني نقول:

ان كان التفرق والتخرب لاجل الحف وبأسمه، فلربما يكون ملاذا اهل الحق، ولكن الذي نشاهده من التفرق انما هو لاغراض شخصية ولهوى النفس الامارة بالسوء. فهو ملجأ ذوي النيات السيئة بل متكأ الظلمة ومرتكزهم، فالظلم واضح في تصرفاتهم، فلو اتى شيطان الى احدهم معاوناً له موافقاً لرأيه تراه يقني عليه ويترحم عليه، بينما اذا كان في الصف المقابل انسان كالملَك تراه يلعنه ويقذفه.

اما عن السؤال الثالث فنقول:

ان تصادم الآراء ومناقشة الافكار لاجل الحق وفي سبيل الوصول الى الحقيقة انما عند اختلاف الوسائل مع الاتفاق في الاسس والغايات، فهذا النوع من الاختلاف يستطيع ان تقدم خدمة جليلة في الكشف عن الحقيقة واظهار كل زاوية من زواياها بأجلى صور الوضوح. ولكن ان كانت المناقشة والبحث عن الحقيقة لاجل اغراض شخصية وللتسلط والاستعلاء واشباع شهوات نفوس فرعونية ونيل الشهرة وحب الظهور، فلا تتلمع بارقة الحقيقة في هذا النوع من بسط الافكار، بل تتولد شرارة الفتن. فلا تجد بين امثال هؤلاء اتفاقاً في المقصد والغاية، بل ليس على الكرة الارضية نقطة تلاق لافكارهم، ذلك لانه ليس لاجل الحق، فترى فيه الافراط البالغ دون حدود، مما يفضي الى انشقاقات غير قابلة للالتئام. وحاضر العالم شاهد على هذا..

وصفوة القول:

ان لم تكن تصرفات المؤمن وحركاته وفق الدساتير السامية التي وضعها الحديث الشريف: ((الحب في الله والبغض في الله))(26) والحكم لله، فالنفاق والشقاق يسودان.. نعم، ان الذي لايستهدي بتلك الدساتير يكون مقترفاً ظلماً في الوقت الذي يروم العدالة)).(27)

ولقد ورد في الاحاديث الشريفة ما مضمونه: ان الدجال والسفياني(28) وامثالهما من الاشخاص الذين يتولون المنافقين ويظهرون في آخر الزمان، يستغلون الشقاق بين الناس والمسلمين ويستفيدون من تكالبهم على حطام الدنيا، فيهلكون البشرية بقوة ضئيلة، وينشرون الهرج والمرج بينها ويسيطرون على امة الاسلام ويأسرونها.

ايها المؤمنون!

ان كنتم تريدون حقاً الحياة العزيزة، وترفضون الرضوخ لاغلال الذل والهوان، فأفيقوا من رقدتكم، وعودوا الى رشدكم، وادخلوا القلعة الحصينة المقدسة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾(الحجرات:10) وحصنوا انفسكم بها من ايدي اولئك الظلمة الذين يستغلون خلافاتكم الداخلية.. والاتعجزون عن الدفاع عن حقوقكم بل حتى عن الحفاظ على حياتكم، اذ لا يخفى ان طفلاً صغيراً يستطيع ان يصرب بطلين يتصارعان، وان حصاة صغيرة تلعب دوراً في متوازنان.

فيا معشر أهل الايمان! قوتكم تذهب ادراج الرياح من جراء اغراضكم الشخصية وانانيتكم وتحزبكم، فقوة قليلة جداً تتمكن من ان تذيقكم الذل والهلاك. فان كنتم حقاً مرتبطين بملة الاسلام فاستهدوا بالدستور النبوي العظيم:

((المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْلبُنيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضَاً))(29) وعندها فقط تسلمون من ذل الدنيا وتنجون من شقاء الآخرة.

*  *  *

نبذة من حياة بديع الزمان سعيد النورسي

ولد الاستاذ بديع الزمان سعيد النورسي في سنة 1293هـ (1876م) في قرية (نورس) قرب بحيرة (وان) الواقعة شرقي تركيا. درس العلوم الاسلامية كلها واتمها، وتغلب في جميع المناظرات والمناقشات التي دخلها مع العلماء. ثم اتجه الى دراسة مختلف العلوم والفنون الحديثة حتى لقّب بـ((بديع الزمان)) اذ كان آية في الذكاء والحفظ.. طالب من السلطان عبدالحميد الثاني وخلفه السلطان رشاد انشاء جامعة اسلامية في شرقي الاناضول على غرار جامعة الازهر تدعى ((مدرسة الزهراء)) تجمع بين دراسة العلوم الاسلامية والعلوم الحديثة، الا أن نشوب الحرب العالمية الاولى حال دون تحقيق رغبة. وفي اثناء الحرب قاد فرق ((الانصار)) المتطوعين ضد الروس، وعلى الرغم من ذلك لم ينس واجبه الاساس وهو ((خدمة القرآن الكريم)) اذ ألف تفسيره المسمى ((إشارات الاعجاز في مظان الايجاز)) باللغى العربية في ساحات الجهاد.

وفي احدى المعارك جرح جرحاً بليغاً فوقع اسيراً بيد الروس وسيق الى معتقلات الاسر فس سيبريا، وظل فيها سنتين وأربعة أشهر، وحكم عليه بالاعدام لموقفه الجريء من القائد العام الروسي الا ان العناية الالهية ادركته في اللحظات الأخيرة ونجا من الاعدام. ثم ادركته هذه العناية ثانية، فتمكن من القفرار الى المانيا فالنمسا فاستانبول، وهنالك عين عضواً في ((دار الحكمة الاسلامية)) وبدأ في التأليف ونشر نحواً من أحد عشر مؤلفا باللغة العربية تدور جميعها حول الاركان الايمانية..

وعندما دخل الانكليز ((استانبول)) في مارت سنة 1920م بعد ان خسرت الدولة العثمانية الحرب، قام النورسي ضدهم وألّب الناس عليهم والّف كتابه ((الخطوات الست)) في ردّ مكائدهم، واشترك بقلمه ولسانه في ((الحرب الاستقلال)) لمقاومة المحتلين. وبعدما تغلب الشعب التركي عليهم ونال حريته وتأسس أول برلمان نيابي، ألقي فيه بياناً رائعاً حثهم فيه على التمسك بمباديء الاسلام.. ولكن ما ان رأى أن الآخرين بزمام الامور اتجهوا الى الغرب اتجاهاً كاملاً واستبدلوا الحروف اللاتينية بالحروف العربية واحدثوا بدعة اذان بالتركية وغيرها من الامور المنافية للاسلام حتى استقر رأيه مجافاة السياسة كلياً والانصراف الى التأليف للحفاظ على عقائد الامة ومثلها وقيمها… فأخذ يؤلف منذ سنة 1926م مستمداً من فيض القرآن الكريم رسائل تنوف على المئة والثلاثين رسالة سماها ((رسائل النور)) طوال سنوات عمره التي قضاها بين النفي والتشريد والسجن والتي تزيد على ربع قرن.

وهذه الرسائل تقع في آلاف الصفحات مقسمة على أربعة اقسام رئيسة هي: الكلمات، والمكتوبات، واللمعات، والشعاعات، فضلاً عن الرسائل الملحقة بها، وهكذا ظل الاستاذ النورسي دؤوباً في خدمة القرآن الكريم والايمان بالتأليف والتوجيه الى أن وافقه المنية في 26 رمضان المبارك سنة 1379هـ الموافق 23 مارت 1960م. رحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن دينه خير الجزاء.

المحتوى

– تمهيد

– من حكم الحج

– مسؤولية العرب والاتراك

– السبيل الى الامن والسلام

– من مهام رسائل النور

– نبذ الخلافات الداخلية

– نحو العالم الاسلامي بدلا عن الغرب

– القومية الايجابية والسلبية

– اضرار العنصرية

– اهمية الشورى

– الاتفاق بين الجماعات الاسلامية

– نبذة من حياة بديع الزمان

فهرس تحليلي

الاتحاد الاسلامي:

– يصمد امام الفوضى:7

– من واجب الوجائب:5

الاجماع:29

– رأي الجمهور:39

الاختلاف:

– وضع حدّ له:35

– نوعاه:41

الاخوة:4

اوروبا:

– ظالموها واطماعها:19،21

– ثعابينها وما يرهبها:23

– سياستها:16

التقليد والتقاعس:6،38

الجماعة:28،35

الجماهير المتفقة الاسلامية:7،8،16

الحج واهمية:4

الحرب العالمية:2،20

الحرية الشرعية:32

الخلافة:4،11،25،31،34

السلكان وحيد الدين:35

الشورى:24

الضروريات الدينية:35

الغيرة الاسلامية:17،19،22

الفوضى:

– في الاراء والاجتهادات:21،27،29

– استيلاؤها:10

– صدّها برسائل النور:13

المشيخة الاسلامية:27

القرآن دستور الحياة:8،11

(1) سوانح، بديع الزمان سعيد النورسي. ترجمة احسان قاسم.

(2) الخطبة الشامية- سعيد النورسي ص67-68. ترجمة احسان قاسم.

(3) المكتوبات: سعيد النورسي- ترجمة احسان قاسم ص600.

(4) الخطبة الشامية- سعيد النورسي ص106. ترجمة احسان قاسم.

(5) الخطبة الشامية- سعيد النورسي ص68. ترجمة احسان قاسم.

(6) الخطبة الشامية- سعيد النورسي ص69. ترجمة احسان قاسم.

(7) الملاحق: ملحق اميرداغ –سعيد النورسي- ترجمة احسان قاسم.

(8) Konferans-54

(9) الملاحق: ملحق اميرداغ-سعيد النورسي-ترجمة احسان قاسم.

(10) الشعاعات، سعيد النورسي، ترجمة احسان قاسم، ص280.

(11) المكتوبات: سعيد النورسي، ترجمة احسان قاسم،ص349.

(12) الملاحق: ملحق اميرداغ، سعيد النورسي، ترجمة احسان قاسم.

(13) وردت احاديث كثيرة عن النهي عن دعوى الجاهلية. انظر البخاري، كتاب الجنائز والمناقب وتفسير القرآن ومسند احمد 3/338 و 385، 4/130 و 202، 5/344 ومسند الطيالسي 1162.

(14) المكتوبات: سعيد النورسي، ترجمة احسان قاسم.ص413-416.

(15) المكتوبات: سعيد النورسي، ترجمة احسان قاسم.ص420-421.

(16) سوانح: سعيد النورسي-ترجمة احسان قاسم.

(17) الخطبة الشامية: ترجمة احسان قاسم ص74.

(18) الخطبة الشامية: ترجمة احسان قاسم ص73-76.

(19) الخطوات الست الملحقة بالخطبة الشامية: ترجمة احسان قاسم،ص194.

(20) Sünuhat Tuluat İşarat,s.83

(21) المكتوبات: سعيد النورسي-ترجمة احسان قاسم،ص609.

(22) المكتوبات: سعيد النورسي-ترجمة احسان قاسم،ص342.

(23) الخطبة الشامية: سعيد النورسي- ترجمة احسان قاسم.ص114.

(24) المناظرات: سعيد النورسي-ترجمة احسان قاسم.

(25) قال السخاوي في المقاصد: رواه البيهقي في المدخل بسند منقطع.. واخرجه الطبراني والديلمي ايضاً وفيه ضعيف، وعزاه الزركشي وابن حجر لنصر المقدسي مرفوعاً من غير بيان لسنده، وعزاه العراقي لآدم بن ابي اياس بغير بيان لسنده ايضاً. وفي الموضوعات للقاري ان السيوطي قال: اخرجه نصر المقدسي في الحجة والبيهقي في الرسالة الاشعرية بغير سند ورواه الحليمي والقاضي حسين وامام الحرمين وغيرهم، ولعله خرّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل الينا. (باختصار عن كشف الخفاء 1/64). وانظر تمييز الطيب ص11.-المترجم.

(26) رواه البخاري ومسلم في كتاب الايمان.

(27) المكتوبات: سعيد النورسي-ترجمة احسان قاسم،ص346-348.

(28) وردت احاديث كثيرة بحق دجال المسلمين الموصوف ((بالسفياني)) نذكر منها:

            ((عن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء ويقتل الضبيان فتجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنج ذنب تلعة، ويخرج رجل من اهل بيتي في الحرة قيبلغ السفياني، فيبعث اليه جنداً من جنده فيهزمهم فيسير منهم اليه السفياني بمن معه حتى اذا صار ببيداء من الارض خسف بهم فلا ينجوا منهم الا المخبر عنهم)) اخرجه الحاكم في المستدرك 4/520 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. (يبقر: يفتح-كلب: ماء بين الكوفة والشام- لايمنع ذنب تلعه: لا يخلو منه موضع). واورده السيوطي في اللآلىء 2/388 والاسفراني 2/75 وامظر البداية والنهاية لابن كثير وتذكرة القرطبي.-المترجم.

(29) اخرجه البخاري ومسلم برقم2585.

Yorum Giriniz